السيد محمد حسين فضل الله

11

من وحي القرآن

كتابه « مفاتيح الغيب » ، في المفتاح الرابع من مراتب الكشف ، قال : « قد تكون المكاشفة على سبيل الملامسة ، وهي بالاتصال بين النورين ، كما قال ابن عباس : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال : رأيت ربي فوضع كفه بين كتفيّ ، فوجدت بردها بين ثدييّ ، فعلمت ما في السماوات . ثم تلا : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75 ] . ويتابع ملّا صدرا الشيرازي حديثه : رآه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالتجلّي والمكاشفة ، ومنبع هذه المكاشفات هو القلب الإنساني ، أي نفسه الناطقة المنوّرة بالعقل العملي المستعمل بحواسّه الروحانية ، وللنفس في ذاتها عين وسمع كما أشير إليه في قوله تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . وهذه الحواس الروحانية هي أصل هذه الحواس الجسمانية ، فإذا ارتفع الحجاب بينها وبين هذه الخارجية ، اتحدت بالأصل ، فتشاهد ما يشاهده الأصل - أي في المكاشفة - . بهذا المعنى يرى القلب كما ترى العين ، والروح تشاهد جميع ذلك بذاتها ، لأن هذه الحقائق تتحد في مرتبتها عند كونها في مقام العقل ، لأن العقل يحيط بكل الموجودات ، وهذه المكاشفة القلبية أعلى مراتب الكشف ويسمّى بالشهود الروحي ، فهي بمثابة الشمس المنوّرة ، بسموات مراتب الروح وأراضي الجسد ، فهو بذاته أخذ من اللّه العليم الحكيم المعاني الحقيقية من غير واسطة على قدر استعداد المكاشف . انتهى » « 1 » . ويرى صاحب تفسير الميزان أن الجائز أن يقال إن العروج كان بروحه ، « لكن لا على النحو الذي يراه القائلون به من كون ذلك من قبيل الأحلام ، ومن نوع ما يراه النائم من الرؤى ، ولو كان كذلك لم يكن لما يدل عليه الآيات

--> ( 1 ) الشيرازي ، صدر الدين ، محمد بن إبراهيم ، مفاتيح الغيب ، صححه وقدم له : محمد خواجي ، ص : 149 - 151 .